قلق مالي يحيط بلبنان: خطر التصعيد والطعن بـ"إصلاح المصارف"

  • 26 October 2026
  • 1 hr ago
    • Lebanon
    • POLITICS
  • source: المدن
    • article image
    علي نور الدين -

    في الأسبوع الأخير من شهر تشرين أيلول الماضي، عكست تداولات سندات اليوروبوند موجة تفاؤل كبيرة، في أعقاب جولة بعثة صندوق النقد في بيروت، وما تخلّلها من إشارات إيجابيّة بخصوص الصيغة النهائيّة لقانون إصلاح أوضاع المصارف. وفي تلك المرحلة، بلغت الأسعار السوقيّة للسندات أعلى مستوى لها، منذ توقّف الدولة اللبنانيّة عن تسديد هذه السندات عام 2020. وبطبيعة الحال، عكست تلك الأرقام تفاؤل المتداولين، لجهة احتمالات التقدّم في عمليّة إعادة هيكلة الدين العام، في حال التوصّل إلى اتفاق نهائي مع صندوق النقد الدولي.

    بعد نحو شهر من تلك التطوّرات، خلال الأسبوع الماضي، باتت الأسواق تسير بالاتجاه المعاكس تماماً. إذ شهدت جميع شرائح السندات، من دون أي استثناء، انخفاضات معتبرة في قيمتها السوقيّة، وهو ما أشّر إلى قلق مالي يحيط بالوضع في لبنان. ومن الواضح أن هذا القلق ارتبط بعاملين متوازيين: أولاً، نتائج الطعن بتعديلات قانون إصلاح المصارف، التي أفضت إلى إبطال المجلس الدستوري لمادّة وعبارتين من تلك التعديلات. وثانياً، الوضع الأمني واحتمالات التصعيد وعودة الحرب، على وقع التوتّر الإقليمي وتعثّر المفاوضات الأميركيّة الإيرانيّة.



    انخفاضات الأسبوع الماضي

    خلال الأسبوع الماضي، هبطت القيمة السوقيّة لجميع شرائح سندات اليوروبوند المتداولة في السوق. وجاءت أقسى الانخفاضات في شريحة السندات التي تستحق خلال شهر تشرين الثاني 2028، التي تراجعت أسعارها إلى مستوى 26.58 سنت للدولار، مقارنة بنحو 27.58 سنت للدولار قبل أسبوع واحد فقط، أي بهبوط نسبته 3.62 بالمئة. كما شهدت شريحة السندات التي تستحق خلال آذار 2032 تراجعاً بنسبة 3.58 بالمئة خلال الفترة نفسها، لتقف أسعارها عند حدود 26.75 سنت للدولار في نهاية الأسبوع الماضي، مقارنة بنحو 27.75 سنت للدولار قبل أسبوع واحد.

    وبهذا الشكل، ظهر أن التراجعات كانت نتيجة موجة تشاؤم عامّة في السوق، ولم تكن نتيجة صفقة معيّنة حصلت على مستوى شريحة واحدة من شرائح السندات. أمّا على مستوى متوسّط الأسعار الإجمالي، لجميع شرائح السندات، فسجّلت السوق نسبة انخفاض مرتفعة لامست 3 بالمئة. أمّا أعلى شريحة من جهة مستوى الأسعار المُسجّلة، فكانت الشريحة التي تستحق خلال شهر أيّار 2033، حيث بلغت أسعار السندات فيها في أواخر الأسبوع الماضي 28.93 سنت للدولار الواحد.

    وتجدر الإشارة إلى أنّ الشريحة التي تستحق خلال شهر أيار 2033 كانت قد سجّلت أعلى نسبة زيادة في الأسعار، خلال الأسبوع الأخير من شهر أيلول الماضي، كما سجّلت أعلى سعر من بين جميع شرائح سندات اليوروبوند. وفي النتيجة، لامست أسعار السندات بالنسبة لهذه الشريحة -في أواخر شهر أيلول- حدود 30 سنت للدولار. وبذلك، تكون الأسعار الحاليّة لهذه الشريحة أقل بنسبة 3.6 بالمئة، مقارنة بأسعارها قبل شهر واحد فقط، ما يدل على حجم الانخفاض الذي طرأ على أسعار سندات اليوروبوند منذ ذلك الوقت.



    الأمن والإصلاحات الماليّة

    خلال الأسبوع الماضي، صدر عن المجلس الدستوري، بالإجماع، قراراً بقبول المراجعة المقدمة من رئيس الجمهوريّة جوزاف عون، طعناً بالمادة الثالثة من القانون الرامي لتعديل بعض مواد قانون إصلاح المصارف في لبنان وإعادة تنظيمها. كما قرّر المجلس إبطال عبارتين من المادتين 19 و27، من القانون نفسه. مع الإشارة إلى أنّ المادّة الثالثة، المطعون فيها، تحدّد نطاق وأهداف القانون نفسه. وبعد إبطال التعديل المتعلّق بهذه المادّة، يكون المجلس الدستوري قد ثبّت المادّة الثالثة كما وردت أصلاً في القانون المُقرّ سابقاً عام 2025، من دون أن يطرأ عليها التعديل المُقر بموجب تعديلات العام 2026.

    ومن المعلوم أنّ الإبقاء على نص القانون الأساسي المقر عام 2025، يُحافظ على الصيغة التي طالب بها حاكم مصرف لبنان كريم سعيد، والتي تعيد التأكيد على مرجعيّة قانون النقد والتسليف بالنسبة لمهام مصرف لبنان. وهذا ما يتعارض مع الصيغة التي جرى العمل عليها في الحكومة عام 2026، وفقاً للاتفاق مع صندوق النقد الدولي، التي عدّلت هذا النص لتفادي أي تفسير يمكن أن يقلّص صلاحيّات الهيئة المصرفيّة العليا، في إطار عمليّة إعادة هيكلة القطاع المصرفي. وحتّى هذه اللحظة، لم يصدر عن صندوق النقد الدولي أي تعليق بخصوص نتائج الطعن لدى المجلس الدستوري، ما يبقي بعض الغموض بخصوص تأثير القرار على مسار الاتفاق مع الصندوق. وهذا ما أخذته السوق بعين الاعتبار عند تسعير السندات خلال هذا الأسبوع.

    في الوقت نفسه، أضافت المخاوف الأمنيّة ضغوطاً مستجدة على أسعار السندات. فاحتمالات عودة الحرب في منطقة الخليج، مع إمكانيّة اتّساع نطاق الحرب في لبنان من جديد، تطرح أسئلة في السوق حول تأثير هذه التطوّرات على مسار الإصلاحات الماليّة والاقتصاديّة. ومن البديهي أن تستهلك أي حرب أخرى الوقت الذي تحتاجه الدولة لإنجاز الإصلاحات المطلوبة للعبور نحو الاتفاق مع صندوق النقد الدولي. كما ستدفع الحرب الحكومة اللبنانيّة للعودة إلى إدارة الطوارئ، بدل استكمال العمل على الملفات الاقتصاديّة. أمّا الأهم، فهو أن التصعيد سيعيد خلط الأوراق، بالنسبة لحجم الأضرار وكلفة إعادة الإعمار، وتأثير لذلك على الإطار المالي المتوسّط الأجل، الذي يشكّل أحد شروط الاتفاق مع صندوق النقد الدولي.

    أهم ما في الأمر لا يتّصل بأسعار السندات نفسها، بل في الأسئلة التي لا نملك الإجابات حولها حتّى الآن. فالسؤال الأول يرتبط بموقف صندوق النقد من الصيغة الأخرى لتعديلات قانون إصلاح المصارف، وتأثير قرار المجلس الدستوري على هذا الموقف. أمّا السؤال الثاني، فيتربط بمستقبل الوضع الأمني في جنوب لبنان، العالق -حتّى الآن- بين توتّرٍ لا يصل إلى حد الحرب الفتوحة وتفاوض لا يصل إلى حد الاتفاق. وحتّى إشعارٍ آخر، سيبقى مصير الاتفاق مع الصندوق مربوطاً بقدرة الدولة على إنجاز مسارين: الإصلاحات الأساسيّة المطلوبة للاتفاق مع صندوق النقد، وتثبيت الاستقرار الأمني الكفيل بأن تبقى هذه الأصلاحات على جدول أعمال الدولة اللبنانيّة.